محمد كرد علي

172

خطط الشام

قبل عشرات الألوف من السنين ، يوم كان يأوي إلى الكهوف ، ويقتات بالنبات ، ويفترس الوحوش ، مع أننا نجهل ونحن في القرن العشرين كثيرا من عقائد بعض الشعوب الضاربة في مجاهل إفريقية وهي معاصرة لنا . ومن الإنصاف أن لا ننكر فضل من نقلوا إلينا أخبار القدماء لأن هذا الشيء اليسير هو الذي أثار في فئة من الناس حب الاستطلاع ، وكانت هذه النصوص نورا يستضاء به ، ومرجعا يستأنس به . وعلماء الآثار أصدق الناس في هذه الروايات ، وهم وإن لم ينكروا وقوعها فلا يجزمون بصحتها إلا متى عثروا على دليل من ذلك العصر يؤيدها . ولأبحاث علماء الآثار ميزة جديرة بالاعتبار فإنها تكون في أكثر الأحايين منزهة عن الأغراض والغايات النفسانية . وقد يخطئ الأثري في استنتاجه ، ولكنه لا يعتمد تشويه الحقائق ، لأن همه الوحيد أن يحيي هذا الماضي البعيد ، ويصبح معاصروه كأنهم يعيشون في ذاك العصر وذاك المحيط . ومن منا لا يشعر بمثل هذا الشعور عندما يزور متحفا أو معبدا أو أطلالا قديمة . وكيف يمكنه أن ينكر الحقيقة ولسان حال هاته الأمم البائدة يقول : إن آثارنا تدل علينا * فانظروا بعدنا إلى الآثار لقي هذا العلم الحديث إقبالا عظيما في الغرب فعنيت حكوماتها به ، وأرصدت للمشتغلين به أموالا طائلة ، وأنشأت له المدارس والمجامع العلمية أسوة ببقية العلوم . وقد أبدى الأثريون على قلة عددهم نشاطا عظيما ، ووضعوا في برهة قصيرة كثيرا من المؤلفات المفيدة . وقد نال الشام قسط وافر من هذه الأبحاث ، فهي أول بقعة اتجهت نحوها الأنظار وخصوصا فلسطين ، لمكنة الشعوب التي استوطنتها منذ الزمن الأطول ، وأهمهم الشعب الإسرائيلي ، لعلاقة الأمم الغربية بكتابهم المقدس . البعثات الأثرية الغربية : أوفدت أكثر حكومات الغرب بعثات علمية للتنقيب عن آثار الشام نخص منها بالذكر البعثة الإفرنسية التي رافقت حملتها في سنة ( 1860 م ) والجمعية الإنكليزية للبحث عن آثار فلسطين . ثم تضاعفت الهمم فجاء من